" الأجرة بتلاتة جنيه يا حضرات "
- هكذا كان استقبال سائق الحافلة متناهية الصغر ، المعروفة بلغة العجم
بـ"الميكروباص" ، لركابه قبل دخول حافلته ، إذ كان الوقت متأخراً ، و
موقِف السيارات خاوياً منها لنفس السبب. فلنتأمل ما وراء ذلك الإعلان الصادر من
السائق ، و نحاول تحليل الموقف من وجهتى نظر علم النفس و علم الاجتماع.
- بالنظر
إلى موقف السائق ، و طلبه زيادة فى الأجرة المقررة ؛ مقداره نصف جنيه من كل راكب
الحقيقة إننا لن نخوض فى الدوافع التى جعلت السائق يعلن عن هذه الزيادة ، الحق أنه
برر ذلك سبب زيادته وجوده الحالى فى موقِف السيارات هو الأخير لهذا اليوم ، و لم
يكن ينتوى الزيادة فى العمل عن ذلك القدر لنفس اليوم ؛ و لكن لما رأى من ضرورة
استثناء ذلك الظرف ؛ بإيصال الركاب إلى بيوتهم فى هذا الوقت المتأخر من الليل ، و
لربما كان لضغط الركاب عليه أثر فى تلبية هذا المطلب فى ذلك الوقت العسر.
- و الحق أننا لسنا بحاجة للاسهاب فى توصيف
الموقف ، و كما وضحنا آنفا بأننا لن نخوض فى تحليل دوافع السائق ، و إنما : ماذا
وراء إعلان السائق ، و تأكيده المستمر لكل راكب فرداً فرداً ، بوجود زيادة فى أجره
عن النقل لهذا الطريق ، الأمر الذى يدفعنا للحديث عن المبادئ.
- و كمحاولة لتعريف المبادئ ،
فمن الممكن وصفها بأنها مجموعة من الأفكار التى يعتقنها ابن آدم - لما له من صفة
العقلانية - ، و يؤمن بها ايماناً كاملاً ، إيمان يجعله يتمسك بها تَمَسُك الغريق
بقبلة الحياة ! ، و عليه ؛ بالنظر إلى ذلك الإعلان من السائق ، أعظم ما لفت
انتباهى و استرعانى ، و وجهنى لكتابة تلك الكلمات : هو حرص السائق على مبدأه و
تمسكه به ؛ فها هو يعلن بكل ثقة عن زيادة فى الأجر و مقداره ! ، و يردف مكملاً :
إن لم يكن لديك رغبة فى الركوب فلا ؛ لأن لك مطلق الحرية .
- إن ما نحتاجه فى حياتنا هو
إعلان كل منا عن مبادئه التى يعتنقها ، و تسيطر على مراكز اتخاذ قراراته ، إعلان
يوضح كنه كل واحد منا وضوح الشمس من الظهيرة ، أضعف الإيمان ؛ الإعلان عن مبادئه
الأساسية بكل شفافية بعيداً عن التميع فى الأفكار و المواقف ، فما الحياة إلا
مواقف ! ، التميع الذى يفسد كثير من العلاقات و الوشائج الإنسانية ، فهو يجعل من
تلك العلاقات بيوت عناكب ، ذلك لأن تلك العلاقات قامت على أساسٌ من الغموض و
الإبهام ، فجعلها أوهن من بيت العنكبوت !
- إننى أتحدث هنا عن الصفة
المجردة للمبادئ ، قبل الحديث عن التجرد فى المبادئ ، أنوه على خطأ شائع - من وجهة
نظرى - ، باعتبار أن المبادئ هى مرادف الأخلاق ، و وصف لصفة الحق . إن المقصود
بالمبادئ هنا هى الثوابت التى يؤمن بها أى
إنسان ، و تشكل عقله و ثقافته و معاشه ، فما فائدة الجسد إذا لم ترتق به الروح ؛
بأن تتخذ موقفاً و مكاناً من الحياة ؛ فهناك صنفان من الناس يعيشون بلا هدف و وجهة و أيضا بلا مبدأ ! ، صنف ليله كنهاره و لا فرق ، يعيش اليوم بيومه ، و يصوغ
لنفسه أسباب واهية تعينه على أن يسوغ اليأس و الضياع ، بتعلله بدوامة الحياة و
كفاح القوت ، فلا داعٍ - من وجهة نظره - للتفكر فى كُنهِ الحياة لما رأى منها من
الشِقوَة و الشقاء ! ، و الصِنف الأخر يرى أنه من النباهة و الفطنة أن يساير كل ما
حوله ؛ طالما وجدت فيه أو منه مصلحة ينتفع بها ، فلا للمبادئ فكَّر ، و لا للكرامة
تجشَّم ، فأصبح لاهثاً كوحوش البرية ، لا تشبع من إرضاء نزواتها اللاإنسانية ! .
- و بالعودة لصفة التجرد فى
المبادئ ، أعنى هنا أن كل إنسان به روح و عقل ؛ أى اكتملت به صفات المعاش و
الإنسانية ، لزاماً عليه أن يكون واضح الفكر - أمام نفسه أولاً ، و قد يكون آخراً
؛ فقط أريده أن يعتنق فكرة ، و يتمسك بمبدأ ، و إعمالاً لصفة التجرد ؛ لن أحجر
عليه و أقيده ، فهو بأهلية الصفة الإنسانية ، و لوازمها العقلانية له مطلق الحرية
فى اعتناق ما يشاء ، و ما يريد ؛ ربما لفظ " المطلب " هنا - وهو ضرورى -
تعنى الاعتناق و لا أكثر ! ، و من هنا أؤيد الرأى
الذى يقول بأن المواقع الإباحية الجنسية
لسنا بحاجة ضرورية إلى حجبها ، بقدر حاجتنا الماسة و الملحة لحجب
الإباحية الأخلاقية فى المجتمع ، و تأييد هذا القول استناداً إلى أن مواقع الإباحة
الجنسية لها مبدأ - بغض النظر عن فحواه - ثابت ، و تعلنه بكل صراحة من منطلق
الحرية ، فهى لا تتجمل ولا تكذب ؛ على النقيض فى الإباحة الأخلاقية التى تصيب
النفوس ، فصاحبها لا يعلن عنها صراحته ، فهو جندى مجهول من شياطين الإنس ، قَبِلَ التميع فى المبدأ على حساب الصراحة الأخلاقية التى تحتم عليه أن يكون واضح المعالم
، مثله كمثل قرينته : الإباحية الجنسية ، لا تكذب و لا تتجمل و لا تتميع !.
- إن إحدى أمارت الحرية و
الإباء هو اعتناق الفكرة ، و الإيمان بالمبدأ ؛ فهذا الإنسان ما كان ليعتنق فكرته
، و يؤمن بمبدأه إلا بعد احساس كامل بالحرية ! ، و بدون الخوض فى مسألة الحرية و
الجبرية ، وآرائها الفلسفية ، و ما يتعلق
بها من وجهات نظر عقائدية ليست محل نقاش فى الموضوع ، فنحن هنا - و لو على سبيل
المجاز - نعتبر الإنسان حراً خالصاً ، و عليه فإن اعتناق الفكرة و الإيمان بالمبدأ
قرين للحرية ، و بناءاً عليه ؛ فإن وجود المبدأ الحاكم لحياة الإنسان ، و اعتناق
الإنسان اياه ، لن يتأتَّى إلا من خلال مجتمع يؤمن بذلك ، و لا يفرض على ابناءه لونا
معيناً من الأفكار.
- فبالعودة لموقف السائق ، هو
أعلن بكل صراحة أنه سيحصل زيادة عن حقه ، و كلٌ له حرية القبول أو الرفض ؛ فبغض
النظر عن الموافقة أو المعارضة ؛ أنا أرفع له القبعة لفعله ذلك ، فكم من مشكلاتٍ
تحدث بسبب مواقف مشابهة ، إما لانتماء السائق لفريق التواكل و الحياة الغير هادفة
، أو الفريق الأخر الذى يتميع لأجل مصلحته ، فكلاهما مخطئ ، و كلاهما ينتهج نفس
القصة فى إعلان الزيادة فى منتصف الطريق ؛ من باب جعل الراكب أمام أمر واقع ، و
لكن الخطر الحقيقى ينبع من نفس الفريق صاحب مبدأ " المصلحة تقتضى " ، و
الذى يمكن تأكيد التوصيف بالإباحية الأخلاقية من خلاله ؛ ذلك بأنه ارتضى لنفسه
خداع غيره .
- قد يأتى استفهام بأن ظروف
الحياة تقتضى الليونة و المسايرة ، الحق أن ذلك الكلام صحيح ، و لكن المبادئ
المعنية هنا هى المعتقدات الراسخة و المكونة لتصرفات الإنسان ، و لو حتى تحت تأثير
الليونة و المرونة المعيشية ؛ فشجرة المبادئ أصلها ثابت ، و فروعها فى السماء ،
تعدل من نفسها كل حين ، لما رأت من ضرورة المسايرة لا الممايعة .
- إذاً ؛ فقد نتفق على صفة
الإطلاق و التجرد فى المبدأ و الإعتقاد ، فإن أمِنَ الإنسان إلى حريته الكاملة فى
اختيار المبدأ ، و إيمانه الشديد بأهمية وجود مبدأ و فكره مسيطرة عليه ، و حاكمة
لتصرفاته ؛
هنا : وجب و أصبح لزاماً إعمال
القوانين المنظمة لطبيعة الأفكار ، فأنا أضمن لك - عزيزى القارئ - الحرية المطلقة
فى الاعتقاد بإباحة القتل ، و لكن ؛ ما أثر الإطلاق و التجرد فى ذلك على الحضارة
الإنسانية ، و التى قامت على الحرية و بها أيضاً ، أعتقد أن ابسط رد هنا ، أن
العالم سيتحول إلى بحار من الدماء ، و نعود إلى لقوانين الغابة التى تنص على أن
البقاء دائماً للأقوى ، و هنا تنتزع منا صفة الإنسانية.
- فها هو السائق الحر الأبى
يعلن عن زيادته ، و أنا ذا الحر الأبى أعلن عن قبولى الزيادة ؛ نظير دعائى المستمر
عليه طوال الرحلة بألا ينعم بماله ، و ألا يبارك الرب فى صحته و ماله و زوجه و
عياله ، فبالنظر إلى الموقفين الصادرين من شخصين حرين فى مبادئهما و اعتقادهما ،
نجد أن كل منهما فكر بطريقته التى تماشت مع حريته ؛ و لكن ! ، ماذا عن القوانين
المنظمة لذلك ، لأن صفة التجرد فى ذلك الموقف ستتحول إلى مشاعر كراهية متبادلة بين
الطرفين طوال الرحلة ، الأكثر تميزاً فى إظهارها ، و التعبير عنها ، هو الأكثر قوة
، و بالتالى هو الأبقى - على الأقل طوال الرحلة ! .
- و عليه ، أعتقد أن هذا سبباً
واضحاً فى وجود أعظم القواعد المنظمة للمبادئ فى تاريخ الحضارة الإنسانية ، هى ما
تعارف عليه الأولون و اللاحقون باسم " الأخلاق " .
- فإحدى محاولات تعريف الأخلاق
على أنها القواعد المنظمة للسلوك الإنسانى ، و حياة البشر بالعموم ، القواعد التى
تمرر الفضائل و تحجب النقائص ، فها هى أول جريمة عرفتها البشرية - جريمة ابنى آدم
؛ عندما قتل هابيل أخاه قابيل ، فنحن من الممكن لنا أن نستشف أن المبدأ الذى سيطر
على هابيل هو القوة ، و البقاء للأقوى ، بعكس أخيه قابيل الذى رأى فى السلام و
المسالمة خير مبدأ ؛ لدرجة أنه لم يبسط يده ليقتل أخاه عندما همَّ بقتله ، و لكن ؛
ماذا بعد القتل ؟ ، هنا جاء دور الأخلاق التى أورثت هابيل الندم و الحسرة ، حتى
لعجزه عن مواراة سوءة أخيه ، و لم يعجز عن ذلك الغراب ! .
- نفس الأخلاق التى أورثت هابيل
الندم ، و نفس الأخلاق التى تدفعنا إلى حجب المواقع الإباحية الجنسية ، و نفس
الأخلاق التى تحثنا على علاج الإباحية الأخلاقية ، كانت حاضرة بعد ربع الساعة من
اعلان سائق الحافلة عن زيادة الأجرة المستحقة ؛ فالسائق الحر طلب الزيادة ، و لما
رأى من إذعان الأحرار أمثاله لقراره ؛ لحاجة بهم أرغمتهم على التنازل عن صفة
الحرية ، فقد أعلن السائق عدوله عن أخذ زيادة - الغير مستحقة - فى حقه ، و برر
لذلك نصاً " محبش آخد حاجة من حد غصباً عنه " ! .
- إن وجود الأخلاق فى حياتنا
أمر ضرورى كوجود المبادئ ، فالاتصال بينهما بينهما صلب لا يتزعزع ، حتى إننا لفى
أوقات كثيرة لنتحدث عن المبادئ ، و نقصد الأخلاق ؛ فالحرية تحتاج إلى أخلاق تروضها
، و بالتالى الأخلاق هى حاكمة المبادئ ؛
التى قامت بالحرية .
بقلمى ؛
أحمد شعبان حلوة
فى السبت شعبــان 1432 هـ
30 يونيــــو 2012 م
النسخة الورقية تم
الانتهاء منها فى 11.50 م
النسخة الإليكترونية
تم الانتهاء منها فى الاثنين 2 يوليو الساعة 12.37 م
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق