الأحد، 29 يوليو 2012

ساعة الإلهام متتعوضش : 4



فى يوم بعد محاضرة الانسانيات ، وقفت مع دكتور سمير أبوهديمة 
قلتله : يا دكتور ، للأسف بابا و ماما متخيلين إنى لو مبقتش دكتور فى الجامعة ، هو ده قمة الفشل ، و إنى كده شاطر " فشنك " ! ، و حاجة زى كده حاسس إنها بتحملنى أكتر من طاقتى ، لدرجة إنها ممكن متخلنيش أذاكر
د سمير : ( مع ابتسامة لطيفة =) ) بدأ يكمل موضوعه عن إن القمة تسع الكثير ، و إن مقاييس النجاح المجتمعية " زى حوار كليات القمة و الكلام ده " مقاييس مش مظبوطة ، بل إنها هدامة
الحقيقة أنا اقتنعت بكلامه جدا
و قلتله : أنا معجب جدا بكلامك و مقتنع بيه ، بس للأسف أهلى مش مقتنعين بيه !
د سمير : " بنفس الابتسامة الذيذة بتاعته " ، بص يا ا ا ا ، إنت اسمك ايه ؟
أنا : أحمد يا فندم
د سمير : بص يا أحمد ، أنا هحكيلك نكتة
فمرة واحد كان فاكر نفسه فرخة ، كل تصرفاته بتطلع منه على أساس إنه فرخة ، راح لدكتور نفسانى ، و قاله يا دكتور أنا فرخة ! ، الطبيب النفسى بدأ يتعامل معاه و جابة قدام مراية و بيقوله إيه ده ، ده دراع ، طب حركه كده ، راح المريض محركه ، و هكذا لحد ما الراجل اقتنع إنه مش فرخة ، و قعد يشكر الدكتور على إنه خلاص اقتنع إنه انسان
بعد ساعة
تخبيط شديد جدا جدا على باب الدكتور ، ايه فى ايه ؟
أنا خلاص اقتنعت يا دكتور إنى مش فرخة ، بس تعالى اقنع الناس بقى إنهم ميعملونيش على إنى فرخة =(

فهمت أنا أقصد إيه يا أحمد ! ، إنت كويس ، و من جواك حلو ، عندك الثقة بنفسك اللى تخليك تشتغل ، يبقى منتاش محتاج تقنع اللى حواليك إنك حلو ، دايما خلى شغلك يتكلم عنك ، لأن هى دى حقيقتك

لكل الدفعة يا أحلى دفعة ، كل واحد فينا مش محتاج إنه يفضل يوضح و يحلف إنه كويس ، و أنا مكنتش كده زمان و الذى منه من الحوارات دى
كل واحد ثقته بنفسه كفيله بإنها تعرف غيره بيه
لكل واحد شال مادة و اللا دبلر أو حصلتله ظروف
إوعى تفتكر إنك وحش و الا " كخة " ، إنت فى مكانك الصحيح ، بس لأسباب ما إنت أكتر واحد عارفها ، شيلت مادة أو دبلرت ، انت مش محتاج إنك تعرف الناس إنك كويس ! ، لأن دى حقيقتك
إنت مش محتاج تثبت إنك مش فرخة !

شكرا د سمير

السبت، 14 يوليو 2012

ساعة الإلهام متتعوضش : 3

  


  -إذا كانت سنة الرب فى عباده أن يصفح عنهم
فما بالنا نحن ، و كلنا معايب
فدائماً : الكمال لله وحده و العصمة لرسوله


و لكن ماذا بعد الصفح !


هناك دائما فرصة ما تمنح لاثبات حسن النية ، و اعادة التفكير فى رأى بنى على باطل ، فالحق لا يعرف بالرجال ، انما يعرف بالحق و إن كان على أيدى الرجال .


  - لنمنح بعضنا فرصا أخرى ، علنا نجد فيها ما جلاء الريب و دفع النقائص ، و ندرك من خلالها معان سامية أولاها ألا نتعجل فى الحكم على الآخرين ، و أخراها أن الصفح تشريع من الرب لراحة العالمين ، و ما بينهما فشد و جذب ما بين الثبات و اليقين .





إذا كنت لا أعفو عن الذنب من أخ 
وقلت أكافيه فأين التفاضل 



أبوحلوة




سبب الخاطرة : أثناء تصفحى لموقع التواصل الإجتماعى " فيس بوك " ، لاحظت منشورا "Post" لأحد الأصدقاء المسجلين لدى " Friends list" يتحدث كأنه يوجه كلاما لشخص ما يسأله أن يعفو عنه لأنه اغتابه ، و أوضح أنه سواء اغتابه بدون قصد أو بقصد ، فهو يطلب الصفح خوفا من الله ، فعلى حد قوله : قرأت أن الله يغفر للزانى ، لا يغفر للمغتاب حتى يعفو عنه الذى اغتابه

ساعة الإلهام متتعوضش : 2


" نصى بيضحك و التانى زعلان "

مقطع لأحد أغانى فريق مصرى " بلاك تيما " ، و قد أبدعوا فى تلك الأغنية التى أشعر منها بتأثير فظيع فى نفسى ، ربما شعور غريب بالشجن ، تلاحم الأحلام ، أشعر بأنها غنيت لى خصيصا

أنا الإنسان ، الذى فى وقت من الأوقات ، و بعد صبر ، ذاق من كأس الحب ، جثا على باب امرأة ، طلبا لمجرد . . . اهتمام منها ، و احساسها بمشاعرى ، هكذا كنت ، و ما بين الفينة و الأخرى التى اتحرى منها موضع كى أوصل لها ذلك الاحساس ، يقابل بالجفاء و الاستهتار ! ، هكذا كنت ، حتى جائت أول الأغنية لتعلن ، " أنا مش فارس و لا فتى أحلام !" ، آه ؛ تنهيدة العاشق التى تنتابنى عند سماعها ، و أردف مكملا " أنا مجرد أحمد شعبان ! "

تتحول الأغنية إلى اعلان أنى انسان " زحمة و ربكة " ، نعم ؛ هكذا أنا ، محمل بأفكار ، و أمانى و أحلام ، كلمات مبعثرة لا تجد منى ترتيبا ، أكثر بين اصدقائى قولى الشهير " أنا عندى حلم ! " ، ما هو الحلم ، ربما يكون غير واضح المعالم ، و ربما لتجد منى توصيفا لهذا الحلم على حسابى على موقع التدوينات القصيرة " تويتر " ؛ بانى أحلم بأن أحلق عاليا فى سماء المجد " I have a dream ; to fly at the sky of glory" ، هكذا عبرت عن حلمى ، بدون تحديد له ، لأظل أحلم بشراهة ، بلا قيود ، هكذا أنا ، ربما لا أجد كلاما يوصف تلك الحالة ، إنما " أنا عندى حلم ! " ، أقولها باحساس القائل بأن " العين بصيرة و الإيد قصيرة " ، لا أدرى ما سبب الإعاقة عن تنفيذ حلمى الغير محدود و الغير معروف معا ، ربما عدم التحديد هى الإعاقة ، أنا أريد أن أكن : كل شيئ جيد !

هكذا أنا ، مارست كل شيئ ! ، و زاولت كل الاهتمامات ، و إنى لأتقن كل شيئ ببراعة ، هذا ليس غرورا ، إنما هى آراء أسمعها من العدو قبل الصديق ، الكاره قبل المحق ، و كل باختلاف مراده ، ففى وقت أوصف بأنى مغرور ، و نفس الوقت اوصف بالاسطورة ، و تكمن فى بعض الأحايين مشكلة : أنى أشعر بأنه لا قيمة لعملى - الاسطورى ، كوصف المحبين - ، و الغرورى ، كوصف الكارهين - ، ربما يزداد الأمر سوءا و تعقيدا بكونى : لا أشعر بنفسى !

هكذا أنا ! ، قد أكون " مشرق و ساعات بهتان " ، و لكنى فى لحظات الإشراق ، أعمل بكل جهدى إنى أكون أكثر إشراقا ، و فى الأوقات الباهتة ، أسعى بكل ما أوتيت من قوة كى أستعيد حالة الإشراق ، لدرجة إن أصدقائى المقربين ، فى كثير من الأوقات يتعجبون و يسألون ، ما سر هذا التفاؤل ، قد تكون الإجابة مقتضبة : " أنا عندى حلم ! "

تاهت منى الأوصاف ، ولكن لا بأس فى ذلك ، فأنا كقول الأغنية

" عفريت لابس بدلة إنسان ! "

أحمد شعبان حلوة





نبذة عن الخاطرة : كتبتها بعد تكرار سماعى للأغنية المذكورة ، و احسست برغبة شديدة فى الكتابة ، فلم استطع أن أمنع نفسى ، لأن " ساعة الإلهام متتعوضش "

ساعة الإلهام متتعوضش : 1

فى أوقات كتير بيجيلى إلهام لأفكار و مواضيع و جمل ، ممكن و أنا بلعب ، ممكن و أنا بكلم حد على الفيس ، بالظبط هنرجع لموضوع المدونة ، هيا خواطر ، و الحقيقة أنا مش بسيبها ، و بدونها بأى شكل و بأى وسيلة .



ساعة الإلهام متتعوضش : 1



الخاطرة : 

  - إنها إرادة الرب التى لها الكلمة العليا دائما ، فكل بحسب استقباله لها ، فمطمئن القلب يأخذ منها راحة أكثر و طمأنينة تبرد وهج قلبه المشع باحاسيس التضارب ، و أنات الحياة ، فتكون بردا و سلاما على قلب خفق لله ، و اذعن لإرادة الله .

  - و مضطرب القلب ، يستقبلها استقبال الاعداء إذا ولجوا فى المعركة ، ينطبق عليه قول الله فى حديثه القدسى ، فى اخباره عن الانسان الغير قنوع ، يركض فى الدنيا كركض الوحوش فى البرية ، ولا يناله سوى ما كتب الله أيضا .




  - هكذا إرادة الله ، من أذعن و أقر ، نال من التعويض ما يكفى و يزيد ، و من رفض و تكبر ، نال من النفس التأنيب ، و من الرب الوعيد .






نبذة عن الخاطرة : أثناء حديثى مع أحد أصدقائى على " الفيس بوك" ، كنا نتحدث فى مشكلات ما حدثت لى ، و كتبت هذه الكلمات فى حديثى معه كرد و تعليق مجمل على كلامه.

الثلاثاء، 3 يوليو 2012

لمن الغلبة : المبادئ أم الأخلاق



" الأجرة بتلاتة جنيه يا حضرات "
  - هكذا كان استقبال سائق الحافلة متناهية الصغر ، المعروفة بلغة العجم بـ"الميكروباص" ، لركابه قبل دخول حافلته ، إذ كان الوقت متأخراً ، و موقِف السيارات خاوياً منها لنفس السبب. فلنتأمل ما وراء ذلك الإعلان الصادر من السائق ، و نحاول تحليل الموقف من وجهتى نظر علم النفس و علم الاجتماع.

  - بالنظر إلى موقف السائق ، و طلبه زيادة فى الأجرة المقررة ؛ مقداره نصف جنيه من كل راكب الحقيقة إننا لن نخوض فى الدوافع التى جعلت السائق يعلن عن هذه الزيادة ، الحق أنه برر ذلك سبب زيادته وجوده الحالى فى موقِف السيارات هو الأخير لهذا اليوم ، و لم يكن ينتوى الزيادة فى العمل عن ذلك القدر لنفس اليوم ؛ و لكن لما رأى من ضرورة استثناء ذلك الظرف ؛ بإيصال الركاب إلى بيوتهم فى هذا الوقت المتأخر من الليل ، و لربما كان لضغط الركاب عليه أثر فى تلبية هذا المطلب فى ذلك الوقت العسر.

  - و الحق أننا لسنا بحاجة للاسهاب فى توصيف الموقف ، و كما وضحنا آنفا بأننا لن نخوض فى تحليل دوافع السائق ، و إنما : ماذا وراء إعلان السائق ، و تأكيده المستمر لكل راكب فرداً فرداً ، بوجود زيادة فى أجره عن النقل لهذا الطريق ، الأمر الذى يدفعنا للحديث عن المبادئ.

- و كمحاولة لتعريف المبادئ ، فمن الممكن وصفها بأنها مجموعة من الأفكار التى يعتقنها ابن آدم - لما له من صفة العقلانية - ، و يؤمن بها ايماناً كاملاً ، إيمان يجعله يتمسك بها تَمَسُك الغريق بقبلة الحياة ! ، و عليه ؛ بالنظر إلى ذلك الإعلان من السائق ، أعظم ما لفت انتباهى و استرعانى ، و وجهنى لكتابة تلك الكلمات : هو حرص السائق على مبدأه و تمسكه به ؛ فها هو يعلن بكل ثقة عن زيادة فى الأجر و مقداره ! ، و يردف مكملاً : إن لم يكن لديك رغبة فى الركوب فلا ؛ لأن لك مطلق الحرية .

- إن ما نحتاجه فى حياتنا هو إعلان كل منا عن مبادئه التى يعتنقها ، و تسيطر على مراكز اتخاذ قراراته ، إعلان يوضح كنه كل واحد منا وضوح الشمس من الظهيرة ، أضعف الإيمان ؛ الإعلان عن مبادئه الأساسية بكل شفافية بعيداً عن التميع فى الأفكار و المواقف ، فما الحياة إلا مواقف ! ، التميع الذى يفسد كثير من العلاقات و الوشائج الإنسانية ، فهو يجعل من تلك العلاقات بيوت عناكب ، ذلك لأن تلك العلاقات قامت على أساسٌ من الغموض و الإبهام ، فجعلها أوهن من بيت العنكبوت !

- إننى أتحدث هنا عن الصفة المجردة للمبادئ ، قبل الحديث عن التجرد فى المبادئ ، أنوه على خطأ شائع - من وجهة نظرى - ، باعتبار أن المبادئ هى مرادف الأخلاق ، و وصف لصفة الحق . إن المقصود بالمبادئ هنا هى الثوابت  التى يؤمن بها أى إنسان ، و تشكل عقله و ثقافته و معاشه ، فما فائدة الجسد إذا لم ترتق به الروح ؛ بأن تتخذ موقفاً و مكاناً من الحياة ؛ فهناك صنفان من الناس يعيشون بلا هدف و وجهة و أيضا بلا مبدأ ! ، صنف ليله كنهاره و لا فرق ، يعيش اليوم بيومه ، و يصوغ لنفسه أسباب واهية تعينه على أن يسوغ اليأس و الضياع ، بتعلله بدوامة الحياة و كفاح القوت ، فلا داعٍ - من وجهة نظره - للتفكر فى كُنهِ الحياة لما رأى منها من الشِقوَة و الشقاء ! ، و الصِنف الأخر يرى أنه من النباهة و الفطنة أن يساير كل ما حوله ؛ طالما وجدت فيه أو منه مصلحة ينتفع بها ، فلا للمبادئ فكَّر ، و لا للكرامة تجشَّم ، فأصبح لاهثاً كوحوش البرية ، لا تشبع من إرضاء نزواتها اللاإنسانية ! .

- و بالعودة لصفة التجرد فى المبادئ ، أعنى هنا أن كل إنسان به روح و عقل ؛ أى اكتملت به صفات المعاش و الإنسانية ، لزاماً عليه أن يكون واضح الفكر - أمام نفسه أولاً ، و قد يكون آخراً ؛ فقط أريده أن يعتنق فكرة ، و يتمسك بمبدأ ، و إعمالاً لصفة التجرد ؛ لن أحجر عليه و أقيده ، فهو بأهلية الصفة الإنسانية ، و لوازمها العقلانية له مطلق الحرية فى اعتناق ما يشاء ، و ما يريد ؛ ربما لفظ " المطلب " هنا - وهو ضرورى - تعنى الاعتناق و لا أكثر ! ، و من هنا أؤيد الرأى  الذى يقول بأن المواقع الإباحية الجنسية  لسنا بحاجة ضرورية إلى حجبها ، بقدر حاجتنا الماسة و الملحة لحجب الإباحية الأخلاقية فى المجتمع ، و تأييد هذا القول استناداً إلى أن مواقع الإباحة الجنسية لها مبدأ - بغض النظر عن فحواه - ثابت ، و تعلنه بكل صراحة من منطلق الحرية ، فهى لا تتجمل ولا تكذب ؛ على النقيض فى الإباحة الأخلاقية التى تصيب النفوس ، فصاحبها لا يعلن عنها صراحته ، فهو جندى مجهول من شياطين الإنس ، قَبِلَ التميع فى المبدأ على حساب الصراحة الأخلاقية التى تحتم عليه أن يكون واضح المعالم ، مثله كمثل قرينته : الإباحية الجنسية ، لا تكذب و لا تتجمل و لا تتميع !.

- إن إحدى أمارت الحرية و الإباء هو اعتناق الفكرة ، و الإيمان بالمبدأ ؛ فهذا الإنسان ما كان ليعتنق فكرته ، و يؤمن بمبدأه إلا بعد احساس كامل بالحرية ! ، و بدون الخوض فى مسألة الحرية و الجبرية ،  وآرائها الفلسفية ، و ما يتعلق بها من وجهات نظر عقائدية ليست محل نقاش فى الموضوع ، فنحن هنا - و لو على سبيل المجاز - نعتبر الإنسان حراً خالصاً ، و عليه فإن اعتناق الفكرة و الإيمان بالمبدأ قرين للحرية ، و بناءاً عليه ؛ فإن وجود المبدأ الحاكم لحياة الإنسان ، و اعتناق الإنسان اياه ، لن يتأتَّى إلا من خلال مجتمع يؤمن بذلك ، و لا يفرض على ابناءه لونا معيناً من الأفكار.

- فبالعودة لموقف السائق ، هو أعلن بكل صراحة أنه سيحصل زيادة عن حقه ، و كلٌ له حرية القبول أو الرفض ؛ فبغض النظر عن الموافقة أو المعارضة ؛ أنا أرفع له القبعة لفعله ذلك ، فكم من مشكلاتٍ تحدث بسبب مواقف مشابهة ، إما لانتماء السائق لفريق التواكل و الحياة الغير هادفة ، أو الفريق الأخر الذى يتميع لأجل مصلحته ، فكلاهما مخطئ ، و كلاهما ينتهج نفس القصة فى إعلان الزيادة فى منتصف الطريق ؛ من باب جعل الراكب أمام أمر واقع ، و لكن الخطر الحقيقى ينبع من نفس الفريق صاحب مبدأ " المصلحة تقتضى " ، و الذى يمكن تأكيد التوصيف بالإباحية الأخلاقية من خلاله ؛ ذلك بأنه ارتضى لنفسه خداع غيره .

- قد يأتى استفهام بأن ظروف الحياة تقتضى الليونة و المسايرة ، الحق أن ذلك الكلام صحيح ، و لكن المبادئ المعنية هنا هى المعتقدات الراسخة و المكونة لتصرفات الإنسان ، و لو حتى تحت تأثير الليونة و المرونة المعيشية ؛ فشجرة المبادئ أصلها ثابت ، و فروعها فى السماء ، تعدل من نفسها كل حين ، لما رأت من ضرورة المسايرة لا الممايعة .

- إذاً ؛ فقد نتفق على صفة الإطلاق و التجرد فى المبدأ و الإعتقاد ، فإن أمِنَ الإنسان إلى حريته الكاملة فى اختيار المبدأ ، و إيمانه الشديد بأهمية وجود مبدأ و فكره مسيطرة عليه ، و حاكمة لتصرفاته ؛
هنا : وجب و أصبح لزاماً إعمال القوانين المنظمة لطبيعة الأفكار ، فأنا أضمن لك - عزيزى القارئ - الحرية المطلقة فى الاعتقاد بإباحة القتل ، و لكن ؛ ما أثر الإطلاق و التجرد فى ذلك على الحضارة الإنسانية ، و التى قامت على الحرية و بها أيضاً ، أعتقد أن ابسط رد هنا ، أن العالم سيتحول إلى بحار من الدماء ، و نعود إلى لقوانين الغابة التى تنص على أن البقاء دائماً للأقوى ، و هنا تنتزع منا صفة الإنسانية.

- فها هو السائق الحر الأبى يعلن عن زيادته ، و أنا ذا الحر الأبى أعلن عن قبولى الزيادة ؛ نظير دعائى المستمر عليه طوال الرحلة بألا ينعم بماله ، و ألا يبارك الرب فى صحته و ماله و زوجه و عياله ، فبالنظر إلى الموقفين الصادرين من شخصين حرين فى مبادئهما و اعتقادهما ، نجد أن كل منهما فكر بطريقته التى تماشت مع حريته ؛ و لكن ! ، ماذا عن القوانين المنظمة لذلك ، لأن صفة التجرد فى ذلك الموقف ستتحول إلى مشاعر كراهية متبادلة بين الطرفين طوال الرحلة ، الأكثر تميزاً فى إظهارها ، و التعبير عنها ، هو الأكثر قوة ، و بالتالى هو الأبقى - على الأقل طوال الرحلة ! .

- و عليه ، أعتقد أن هذا سبباً واضحاً فى وجود أعظم القواعد المنظمة للمبادئ فى تاريخ الحضارة الإنسانية ، هى ما تعارف عليه الأولون و اللاحقون باسم " الأخلاق " .

- فإحدى محاولات تعريف الأخلاق على أنها القواعد المنظمة للسلوك الإنسانى ، و حياة البشر بالعموم ، القواعد التى تمرر الفضائل و تحجب النقائص ، فها هى أول جريمة عرفتها البشرية - جريمة ابنى آدم ؛ عندما قتل هابيل أخاه قابيل ، فنحن من الممكن لنا أن نستشف أن المبدأ الذى سيطر على هابيل هو القوة ، و البقاء للأقوى ، بعكس أخيه قابيل الذى رأى فى السلام و المسالمة خير مبدأ ؛ لدرجة أنه لم يبسط يده ليقتل أخاه عندما همَّ بقتله ، و لكن ؛ ماذا بعد القتل ؟ ، هنا جاء دور الأخلاق التى أورثت هابيل الندم و الحسرة ، حتى لعجزه عن مواراة سوءة أخيه ، و لم يعجز عن ذلك الغراب ! .

- نفس الأخلاق التى أورثت هابيل الندم ، و نفس الأخلاق التى تدفعنا إلى حجب المواقع الإباحية الجنسية ، و نفس الأخلاق التى تحثنا على علاج الإباحية الأخلاقية ، كانت حاضرة بعد ربع الساعة من اعلان سائق الحافلة عن زيادة الأجرة المستحقة ؛ فالسائق الحر طلب الزيادة ، و لما رأى من إذعان الأحرار أمثاله لقراره ؛ لحاجة بهم أرغمتهم على التنازل عن صفة الحرية ، فقد أعلن السائق عدوله عن أخذ زيادة - الغير مستحقة - فى حقه ، و برر لذلك نصاً " محبش آخد حاجة من حد غصباً عنه " ! .

- إن وجود الأخلاق فى حياتنا أمر ضرورى كوجود المبادئ ، فالاتصال بينهما بينهما صلب لا يتزعزع ، حتى إننا لفى أوقات كثيرة لنتحدث عن المبادئ ، و نقصد الأخلاق ؛ فالحرية تحتاج إلى أخلاق تروضها ،  و بالتالى الأخلاق هى حاكمة المبادئ ؛ التى قامت بالحرية .



بقلمى ؛
أحمد شعبان حلوة
فى السبت  شعبــان 1432 هـ
30 يونيــــو 2012 م

النسخة الورقية تم الانتهاء منها فى 11.50 م
النسخة الإليكترونية تم الانتهاء منها فى الاثنين 2 يوليو الساعة 12.37 م