" إياك و العبث بالحب ، فإنه يورثك الحسرة و الجمود "
مقولة مشهورة لإذاعى أشهر، هو : أسامة منيــــــــر ؛ الذى يعرف بمذيع الحب. ربما
قالها كغيرها من الجمل و المأثورات فى الحب من خلال برنامجه ، و لكن بتأمل تلك الكلمات ؛ قد نجد لها معانِ عديدة ، و كلٌ بحسب فهمه لها ، و السؤال : ، هل هناك عبثٌ بالحب ؟ ، و ما المقصود بالعبث هنا ؟ هل عبث المحب بالحب ، أم هو عبث الحب بالمحب ؟
الرؤيا تختلف من شخص لآخر ، فالصنف الأول العابث بالحب ، يراه مجرد ألعوبة للتسلية و حسب ، يرى النساء جميعهن متماثلات فى المشاعر و الأحاسيس ، كلهن يذبن بكلمات محلاة ، و دهناء الأسلوب ، و كأن عقولهن خواء !
الواقع أن هذا الرجل العابث بالحب قد افتقد سمة أساسية تجعل من الجدارة أن يوصف بالرجولة ؛ و هى الصــــــدق ! ، فقد استحب اللعب عن الإلتزام ، و رسم فى مخيلته صورة بأن بنات حواء ماهن سوى زير يملأه بنفسه ، ثم يشرب منه ؛ ليستحق عن جدارة لقب " زيــــــر النســــــاء ".
- ربما انتشار أولئك " أنصاف الرجال " فى الحياة ؛ جعل كثير من النسوة قليلات ثقة بالذكور عموما ، فلربما وصلت قلة الثقة إلى الإنعدام لما قد يرونه من إسفاف البعض من أبناء آدم فى التعامل مع الأنثى لدرجة قد تصل إلى التحرش ، أو ما هو أكبر من ذلك ، فعندها استحقوا لقب " الذئــــاب" !
- لكن ما ذنب الفرقة الأخرى من أناسى الذكور ، الذين استحقوا تقديم صفة الإنسانية على الذكورية ، ذلك لما حملوا من عظيم المبادئ ، و فضائل الأخلاق ، بأنهم رأو فى بنات حواء قطباً آخر وجب وجوده لضرورة الإتزان ، و إذا كنا - نحن الرجال - نصف بعض النسوة بأنهن جواهر ؛ لما نر فيهن من إكتمال صفات الروح و البنيان ، فأيضا ذلك الصنف من الرجال هم الصاغة الذين يرعون الجواهر حق رعايتها .
- إن الرجل الذى اكتملت به عناصر شتى ، توجٍدُ فيه أهليَةُ الرجولة ، ربما ليجد فى كثير من الأوقات سخرية من أقرانه و المقربين منه ، ، لما وجدوا من اعتناقه لأفكار تتصل بسمو العلاقات الإنسانية ، و منها العلاقة التى تحكمها رابطة العاطفة بقرينته المؤنثة ، و مع هذا فلا مانع من وجود مؤيدين له ، و مريدين للفكر عامة ، و تلك سنة الحياة فى و جود المتماثلات و الآضاد .
- إن الرجل الحق إذا خفق قلبه إذعانا لقارعةٍ على بابهِ ، لتجد منه أمارات و دلائل ، و هذا من باب السمات على الوجوه ، و ما كان بالقلب أعظم ؛ ذلك بأنه إذا أحب . . . آنس من قلبه عشقاً ، و إذا إذا عشق . . . صارت محبوبته عقله ، و سمعه ، و بصره . . . و فؤاده ، ربما فى ذلك الترتيب دلالة على سيطرة المحبوبة عليه ! ، فتنبع من تلك السيطرة خيالات المستقبل مع شريكته ، و كيف ستكون حياته معها ، الحق أن وجود هذه الخيالات أمر ضرورى لإقتران خلق الصدق بعاطفة الحب .
- إن هذا الرجل الصادق قد سمح لنفسه بالتفكير فى المستقبل مع هذه الأنثى ؛ ذلك بأنه ما كان ليفكر فيها إلا بعد إمعان و تمحيص ، هذا التمحيص قد يأخذ سنين من عمره ، فهو بصفة العموم لا يستثار بسهولة كغيره بأنصاف الرجال من الفريق الآخر ! ، فهو يرسم بمخيلته أنثى واحدة فقط هى الحبيبة و الزوجة و الأم ، و من هنا ؛ وجب الصبر ، حتى إذا وجد ضالته ؛ استئذن العقل أولاَ ؛ فإن بادره بقبول ، ارتضى لنفسه أن يهوى فى بئر حب بلا غيابات ، و يقظة فى العشق بلا سبات !
- و بالنظر إلى الإسهاب فى الحديث عن صنف الصادقين من الرجال ، فلأن رأس الموضوع أجبرنا على ذلك ، فالحب فى البدايات كصندوق مغلق ، لا يدرى المحب إن كان به مفاتح الفراديس ، و ترياق الأزمات ، أم أنه مطية اليأس و الإحباط ، و إنكسار القلب و الآهات .
- فإنه لأمر جِدُ عادى أن يقابل حبه - و إن كان صدقا - بعد هذا التدقيق و الإختيار القويم بنفور من الحبيبة ، الحق إنه قد يكون نفور رمزى ، فهذا النوع من الرجال كثيراً ما يكتمون مشاعرهم فى قلوبهم ؛ خوفا من ذلك النفور . الأعجب أنه قد يكتم حبه بسبب خجله من كونه قد يتسبب فى قلقلة مشاعر المحبوبة ، فقط " قلقة " لا ترقى إلى " جُرح " ! ، و هذا لا يتفجر سوى من منبع واحد اسمه " الصـــــدق " ، نعم ؛ إنه الصدق الذى قد يدفع المحب إلى الغيرة على محبوبته من نفسه ! ، الصدق الذى قد يجعله لا يكلمها - برغم احتمالية وجود سابق اختلاط - خشيةَ عليها من نفســه ِ ! ، أى مشاعر هذه ؟! ، و ليت شعرى أن تدرك بنات حواء هذه الحقيقة .
- الصدق الذى يولد لدى المحب إحساس بالخوف على محبوبته من نسمات الهواء ، و أنداء الماء . . . . و أيضا مصافحة و مجالسة الأخدان و الأصدقاء ! ، فإن نمى ذلك إلى علمه أو رآه ؛ كان ذلك موضع انكسار ، فيحدث للقلب اهتراء ، كأنما نُبِذَ بالعراء ! ، لا من سقم أو اعتلال ، بل من احساسه بعدم تقدير المشاعر ، و إيثار المحبوبة للغير فى الحديث و المسامرة و الملاطفة بلا داعٍ .
- و من هنا وجب التحليل بأن ذلك عبث الحب بالمحب الذى صدقه ، و الحب لم يصدقه ؛ فهذا المحب لم يتوان فى لحظة عن الوفاء لمحبوبته ، أو بمحاولة التصريح بحبه ؛ فلم يكن جزاؤه سوى أن يعبث الحب به و بقلبه ؛ الأمر بدوره قد يستثير كرامة المحب ؛ لأنه بالدرجة الأولى رجل ، يجأر لكرامته التى وجد منها اعتلالاً لتنازله عن بعض منها فى سبيل محبوبته ، ولكن سرعان ما يتبدل تأنيب ضمير الكرامة إلى ألفة و ارتياحاً بأمر من القلب ، الذى قطع العقل عليه عهدا بالوفاء للحبيبة .
- و السؤال ؛ ما ذنب ذلك الرجل الذى لم يذنب بالأصل ، فتلك سنة الرب فى عباده فى السكن للأنثى ، و جعل لهذا السكنى أساس هو المودة و الرحمة ، و ما ذنبه أن يجد من رفاقه و عشيرته لوماَ و عتاباَ بأن الحب غيره و جعل منه كائنا غريباً بالنسبة لهم ! ، ربما تصدر الإجابة منه " من أجل الورود . . . تسقى العلائق ! "، و ربما للأنثى دور فى ذلك ؛ إن كانت تمارس نوعا من المنعة و الدلال لأجل اختبار صدق هذا الرجل ، و تبين إن جاداً أم لاهياً ؟ .
- كلا من الحبيب و الحبيبة يقدم بين يدى الآخر ، و كلاهما قد يأمل من الآخر أن يبدأ بالمصارحة ؛ ذلك و إن توفر القبول من الأنثى ، و هنا استحق أن يوصف هذا الكلام بـ " عبث الحب بالمحب " ، و إن توافر النفور من الأنثى ، فلا ؛ فالعلاقات أساسها التراخى و الانسجام ، لا الإجبار و الإكراه ! .
- و عليه ؛ فقد صدق النهى عن العبث بالحب ، و تأييدى لهذا القول ؛ لا للتخويف من التجربة ، إنما هو لضرورة ادراك النفس بأن الحياة ليست وردية اللون دائماَ ، و أنه كما أخبرونا الأسلاف بأن الخيرة دائما فيما اختاره الله - عز و جل - .
كلمات للتأمل
" أغضاضة يا روض إن شاقنى ، فشممت وردك "
من أشعار بشارة الخورى " الأخطل الصغير " 1885 - 1968 م
" الباحث عن الحب كمن يحاول أن يمسك الماء بكفيه ! "
صديقى محمد حسن - كلية العلوم - جامعة القاهرة
بقلمى ؛
أحمد شعبان حلوة
فى الثلاثاء 19 يونية 2012 ميلادية
29 رجب 1432 هجريـة
النسخة الورقيــــــــة كتبت فى : 3.45 صباحا
النسخة الإليكترونية كتبت فى : 5.55 صباحا